الين الياباني: تدخّلٌ تاريخي
عاش الين الياباني واحدةً من أكثر مراحله دراماتيكيةً في السنوات الأخيرة. فبعد أن انهار إلى مستوياتٍ لم يشهدها منذ عام 1986، تدخّلت طوكيو وواشنطن معاً في أكبر عملية دعمٍ مشتركة للين منذ خمسة عشر عاماً – لكن التدخّل، بمفارقةٍ لافتة، فتح الباب أمام موجةٍ جديدة من "صفقات الحمل".
أين يقف الين؟
تداول الين قرب 159.4 مقابل الدولار يوم الجمعة 28 أغسطس، بعد أن لامس 159.84 – وهو أضعف مستوى منذ يوليو 2026. وعلى مدى الأسابيع الأربعة السابقة، خسر زوج الدولار/ين نحو 2.23%، بينما ارتفع الزوج نحو 8.71% خلال الاثني عشر شهراً الماضية.

كانت العملة الأمريكية قد صعدت في الأسابيع السابقة إلى ما يقارب 164 يناً، وهو أعلى مستوى منذ 1986، قبل أن تتدخّل السلطات.
التدخّل التاريخي المشترك
في أوائل أغسطس، تحرّكت اليابان أولاً، إذ تشير بيانات بنك اليابان إلى أنها ربما باعت ما يصل إلى نحو 59 مليار دولار لشراء الين في يومٍ واحد. ثم انضمّت الخزانة الأمريكية بشكلٍ لافت، ما ساعد على دفع الين للارتفاع: هبط الدولار إلى نحو 157.6 يناً من نحو 158.9 يناً خلال دقائق.
واستُخدمت في هذا السياق تسهيلات إعادة الشراء (FIMA repo) التي أُنشئت عام 2020، والتي تتيح لليابان الحصول على سيولة دولارية دون الاضطرار لبيع سنداتٍ أمريكية بشكلٍ مباشر، ما يخفّف ضغوط التمويل على طوكيو.
المفارقة: تدخّلٌ "يشحن" صفقة الحمل
هنا تكمن المفاجأة. فبدلاً من أن يردع التدخّلُ المضاربين، منح بعض المستثمرين فرصةً أفضل لمضاعفة رهاناتهم على ما يُعرف بـ"صفقة الحمل" (carry trade) – وهي استراتيجية الاقتراض بعملةٍ منخفضة الفائدة (الين) لاستثمارها في أصولٍ ذات عائدٍ أعلى في الخارج.
تشير بيانات وزارة المالية اليابانية إلى أن المستثمرين اليابانيين اشتروا صافياً أكثر من 5 تريليونات ين من الأسهم والسندات الأجنبية طويلة الأجل خلال أسبوعين، مقابل بيعٍ صافٍ في الفترة السابقة. أي أنهم استغلّوا ارتفاع الين الناتج عن التدخّل لشراء الأصول الخارجية بأسعار صرفٍ أفضل.
وكما لخّصها أحد خبراء السوق: طالما بقيت تكلفة المال في اليابان أقل من العائد في الخارج، ستعاود صفقات الحمل فرض نفسها.
ماذا يعني ذلك؟
المعضلة اليابانية بنيوية: فسياسة شراء الين لدعمه تتناقض مع استمرار بنك اليابان في ضخّ السيولة عبر سياسته التيسيرية. وهذا التناقض يعني أن التدخّل، مهما كان ضخماً، يميل إلى تقديم راحةٍ "مؤقتة" فحسب، ما لم يتغيّر الفارق الجوهري في أسعار الفائدة بين اليابان وبقية العالم.
خلاصة
الين عالقٌ بين مطرقة الفارق في الفائدة وسندان التدخّل الحكومي. وطالما بقيت الفائدة اليابانية أدنى بكثير من نظيراتها العالمية، سيظلّ الضغط الهبوطي على العملة قائماً، وستبقى صفقات الحمل حاضرةً في المشهد.









