صفقة 2026 الكبرى في المعادن
إذا كان الذهب هو نجم الملاذ الآمن، فإن المعادن الصناعية والفضة كانتا القصة الأكثر إثارةً في أسواق 2026. فقد سجّل النحاس أرقاماً قياسية جديدة، وتضاعف سعر الفضة أكثر من مرة خلال العام، في موجةٍ وصفها بعض المحللين بأنها "الصفقة الجامعة" للعام.
النحاس: معدن عصر الذكاء الاصطناعي
بلغ النحاس مستوياتٍ غير مسبوقة، إذ لامس سعره على بورصة لندن للمعادن (LME) نحو 14,455 دولاراً للطن في 6 أغسطس 2026، بعد أن كسر حاجز 14,000 دولار لأول مرة في مايو. ومع نهاية أغسطس، تراجع المعدن إلى نطاق أهدأ قرب 6.54 دولار للرطل في عقود الفروقات، لكنه بقي مرتفعاً بنحو 45% مقارنةً بالعام الماضي.

ما الذي يدفع النحاس إلى هذه المستويات؟ العنوان الأبرز هو الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات وشبكات الكهرباء اللازمة لدعم التوسّع السريع في هذه الصناعة أصبحت المحرّك الأول للطلب، إلى جانب جهود الكهربة العالمية من السيارات الكهربائية إلى توسيع الشبكات. وتشير تقديرات جولدمان ساكس إلى أن الشبكات والبنية التحتية للطاقة ستقود أكثر من 60% من نمو الطلب على النحاس حتى 2030.
في المقابل، تلعب قيود العرض دوراً موازياً: فقد حذّرت شركة زيجين ماينينغ من أن الفيضانات في مجمّع كاموا-كاكولا للنحاس في الكونغو الديمقراطية قد تقلّص حصّتها من الإنتاج بما يصل إلى 57 ألف طن هذا العام.
الفضة: من ظلّ الذهب إلى الأضواء
الفضة كانت الأكثر لفتاً للأنظار. فبعد أن سجّلت قمّتها التاريخية عند نحو 121.6 دولاراً للأونصة في 29 يناير 2026، استقرّت مع نهاية أغسطس قرب 69.35 دولاراً، محقّقةً في بعض الجلسات أداءً يفوق الذهب نفسه.
اللافت أن الفضة بدأت "تنفصل هيكلياً" عن الذهب، بحسب محللين، بفضل دورها الصناعي الذي لا غنى عنه في التكنولوجيا عالية الأداء، إلى جانب تقلّص المخزونات فوق الأرض والطلب الصناعي الثابت. ووفقاً لمعهد الفضة، اتّسع العجز في السوق مع تراجع إجمالي المعروض نحو 2%.
نسبة الذهب إلى الفضة: بوصلة المستثمرين
تراجعت نسبة الذهب إلى الفضة إلى ما دون 70 (قرب 66-67) بنهاية أغسطس، بعد أن تفوّقت الفضة على الذهب خلال الشهر. تاريخياً، تتراوح هذه النسبة بين 40 و60، وارتفاعها إلى مستويات الأزمات (بلغت نحو 125 خلال جائحة كوفيد) يُعدّ إشارةً إلى الخوف. أما تراجعها الحالي فيشير إلى أن الفضة تستعيد بعض البريق أمام الذهب.
وتتوقّع أبحاث جيه بي مورجان العالمية أن تواصل النسبة تطبيعها نحو 70 خلال النصف الثاني من 2026، بما يعني استمرار هيمنة الذهب نسبياً.
ماذا يعني ذلك؟
المعادن الصناعية لم تعد مجرّد مقياسٍ للنشاط الاقتصادي التقليدي؛ فقد تحوّلت إلى رهانٍ مباشر على ثورة الذكاء الاصطناعي والكهربة. وهذا يجعلها عرضةً لتقلّباتٍ حادة: فارتفاع الفائدة يرفع تكلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرّة للعائد مثل الفضة، بينما يبقى الطلب البنيوي على النحاس أرضيةً داعمة طويلة الأجل.
خلاصة
بين نحاسٍ يقوده الذكاء الاصطناعي وفضةٍ تستعيد استقلالها، تبدو المعادن الصناعية والفضة قصةً بنيويةً لا مجرّد موجةٍ عابرة – لكنها قصةٌ لا تخلو من تقلّبٍ عنيف يتطلّب إدارة مخاطر دقيقة.









